رحلة أحمد في نكتشف — الفصل الثالث: الخطوة التي أجّلها
Texto editorial
في الليلة التي كان يفترض أن يوسّع فيها مشروعه، اكتشف أحمد أن التراجع خطوة قد يكون أصعب من التقدم.
مستوحاة من قصة واقعية. بعض الشخصيات والمواقف والحوارات والتسلسل الزمني أُعيد تخيلها أو دمجها لأغراض سردية.
مستوحاة من قصة واقعية. بعض الشخصيات والمواقف والحوارات والتسلسل الزمني أُعيد تخيلها أو دمجها لأغراض سردية.
كان أحمد يحدّق في ورقة واحدة منذ وقت أطول مما تستحقه ورقة.
في أعلاها كتب بخط عريض: «الخطوة القادمة». وتحتها، أفكار كثيرة بدت له قبل أسابيع كأنها الطريق الطبيعي إلى الأمام.
عاد من عمله في المساء، بعد يوم طويل بدأ مبكرًا. ظلّ صخب الدوام في كتفيه، حتى بعدما خلع حذاءه عند الباب.
كان يستطيع أن يترك الورقة إلى الغد. لكنه يعرف كيف تعمل كلمة «الغد» حين يكون المشروع حاضرًا في رأسه: تكبر، وتملأ المساحة التي كان يفترض أن يتركها للنوم.
في زاوية من البيت، رتّب دفتره وأقلامه، ثم أخرج الورقة مرة أخرى. لم يكن يبحث عن فكرة جديدة بقدر ما كان يحاول أن يقرر أي الأفكار يجب أن تنتظر.
كان يريد أن يرى المشروع يكبر. أن يضيف إليه أشياء تمنح الناس أسبابًا أكثر للعودة، وتجعله أقرب إلى الصورة الواسعة التي يحملها في خياله.
لم تكن الرغبة هي المشكلة. المشكلة أن كل إضافة لها كلفة، وأن الكلفة لا تنتهي دائمًا عند لحظة البدء.
على الورقة، بدت الإضافات مرتبة جنبًا إلى جنب. في حياته، لم تكن متساوية الوزن أبدًا.
بعضها يحتاج مالًا، وبعضها يحتاج وقتًا لا يملكه بسهولة. وكلها تعده بشيء جميل لو سار كل شيء كما ينبغي.
لكن «لو سار كل شيء كما ينبغي» لم تكن عبارة تصلح لحساباته. فقد تعلّم أن المشروع لا يعيش على الحماسة وحدها.
جلس إلى الطاولة في الفيلا الصغيرة. كان الليل قد استقر في البيت، ولم يبقَ حوله إلا ضوء الغرفة، والورقة، وصوت القلم حين يلمس سطحها.
جلست زوجته قبالته. كان أحمد يرتدي قميصًا رماديًا بسيطًا وبنطالًا داكنًا، وكانت ترتدي فستانًا منزليًا أزرق هادئًا، وشعرها المتموج منسدل على كتفيها.
تأملت الورقة، ثم رفعت عينيها إليه. لم تسأله عن الأسماء المكتوبة، بل عن الوجه الذي صار يحمله منذ بدأ يفكر في القرار.
قالت:
— هل قررت أيّها تبدأ؟
حرّك القلم بين أصابعه، كأنه ينتظر منه جوابًا.
— أعرف أيّها أريد. لكني لا أعرف إن كان هذا هو الوقت المناسب.
لم تقل له إن عليه أن يتوقف، ولم تقل إن عليه أن يندفع. كانت تعرف أن الأمرين لا يجيبان عن السؤال الذي أمامه.
أدار الورقة نحوها. كانت أفكاره واضحة له: محتوى أكثر، وألعاب، ومتجر، وخطوات تجعل التجربة أوسع.
لم يشرح كيف سيبني شيئًا منها. لم يكن ذلك ما يحتاج إلى شرحه هذه الليلة. كان يحتاج إلى أن يواجه ما ستطلبه منه كل واحدة.
قال:
— كل ما أضيف شيئًا، أقول لنفسي إن المشروع لازم يكبر. وبعدها أكتشف أن النمو يفتح بابًا جديدًا للمصاريف.
أومأت زوجته ببطء. لم تبدُ متفاجئة. هي تعرف كم يحب أحمد أن يرى الفكرة كاملة، حتى قبل أن يعرف كم ستأخذ منه.
— وإذا انتظرت؟
نظر إلى الكلمات. في رأسه، كان الانتظار يشبه ترك باب مفتوحًا لمن يسبق إليه. وفي الورقة، بدا كأنه تأجيل سطر واحد.
قال:
— أخاف أن أكتشف بعدين أني كنت أقدر أبدأ، لكني خوّفت نفسي.
سكتت قليلًا، ثم قالت:
— وأنا أخاف أن تبدأ كل شيء مرة واحدة، وتبقى تحاول تغطي تكاليفه حتى ما يعود عندك وقت له أصلًا.
لم يكن في صوتها اعتراض على الحلم. كان فيه قلق على الطريقة التي قد يستهلك بها الحلم كل ما حوله.
خفض عينيه إلى دفتره. في صفحات سابقة، كتب ما يحتاجه المشروع ليواصل طريقه: التزامات، تكاليف تشغيل، وأشياء لا تختفي لمجرد أنه لا يريد التفكير فيها.
لا أرقام كبيرة مكتوبة أمامه في تلك اللحظة، ولا مفاجأة جديدة. فقط مجموع أشياء صغيرة تتكرر، ومجموع ساعات لا تأتي من مكان آخر.
كان قد اعتاد أن يعامل الطاقة كأنها مورد لا ينفد. إذا تعب، سيجد ساعة أخرى. وإذا تأخر، سيضغط على نفسه أكثر.
لكن الصفحة لم تسأله إن كان قادرًا على الضغط. سألته إن كان قادرًا على الاستمرار.
رفع القلم، وكتب بجانب إحدى الإضافات كلمة «الآن». ثم توقف قبل أن يكتبها بجانب التالية.
لو بدأ بكل شيء، لكان شعوره في تلك الليلة شعورًا جميلًا: حركة، تقدم، وانتصار صغير على قائمة طويلة من الأمنيات.
لكن ماذا بعد ذلك؟ لم يكن يعرف. وكان الاعتراف بأنه لا يعرف أثقل عليه من أن يكتب كلمة «انتظر».
قالت زوجته:
— أنا ما أطلب منك تصغّر المشروع. بس أبيه يبقى له بكرة.
تعلقت عيناه بالقلم. لم تكن جملة كبيرة، ولم تحاول أن تحسم عنه. ومع ذلك، أزاحت شيئًا كان يضغط على صدره.
فكر في المسافة بين المشروع الذي يتخيله وبين الحياة التي تجري حوله. بين ما يريد أن يبنيه، وبين البيت الذي يحتاج منه أن يكون حاضرًا فيه.
لم تكن المشكلة أن المشروع كبير. كانت المشكلة أنه يريد أن يطلب من نفسه أن تحمله كله، وفي وقت واحد.
مدّ يده إلى الورقة. طواها مرة، ثم وضعها تحت دفتره بدل أن يتركها مفتوحة أمامه.
كان ذلك هو القرار: أن يؤجل الإضافات المكلفة، وأن يعتني بما بدأه قبل أن يطلب من المشروع أن يتسع أكثر.
لم يبتسم كمن حلّ مشكلة. اكتفى بأن يضع القلم جانبًا، وينظر إلى الورقة المطوية.
قالت زوجته:
— صعب؟
— أكثر مما توقعت.
قالت ذلك وهي تشير إلى الصفحة:
— بس القرار مو للأبد.
أعاد نظره إلى دفتره. لم يختفِ الطموح، ولم تصبح التكاليف أقل. لكن ما كان أمامه الآن صار أوضح: خطوة واحدة، لا خطوات تتزاحم في اللحظة نفسها.
لم يقل إنه سيعرف بالضبط متى يعود إلى القائمة. لم يضع موعدًا لمجرد أن الصمت يزعجه. ترك الورقة مطوية، والقرار قائمًا بقدر ما يستطيع أن يحمله الليلة.
أخرجت زوجته كوبًا، ووضعته قرب دفتره. لم تفتح الورقة، ولم تطلب منه أن يشرح أكثر. ظل القلم قرب يده، واستقرت أصابعه أخيرًا بجانب الغلاف.
ظلّ الصمت بينهما لطيفًا. لم يحتج إلى أن يملأه بوعد كبير، وهي لم تطلب منه أن يحوّل القرار إلى إنجاز قبل أن ينام.
كان المشروع ما يزال ينتظره في الغرفة. وكان هناك أيضًا بيت هادئ، وطاولة لم تعد مزدحمة بالخطوات المقبلة.
ترك الدفتر مغلقًا. وفي تلك الليلة، لم تكن الخطوة التالية أن يضيف شيئًا.