

Texte éditorial
في نزهة قصيرة إلى حديقة حيوانات، جاء سؤال حلا عن الجمل في اللحظة التي كاد فيها أحمد أن يبحث عن جواب جاهز.

مستوحاة من قصة واقعية. بعض الشخصيات والمواقف والحوارات والتسلسل الزمني أُعيد تخيلها أو دمجها لأغراض سردية.
شدّت حلا يد أبيها، ثم أشارت بيدها الأخرى إلى آخر الممر.
كان أحمد يحاول إغلاق حقيبته الصغيرة، وقد بقي طرف دفتره عالقًا في السحّاب.
— بابا، هناك!
نظر إلى حيث أشارت، فرأى الجمل وراء السياج، وإلى جانبه مساحة مفتوحة من الرمل.
كانت شمس الصباح لطيفة، والهواء يحمل رائحة تراب دافئ وأوراق مبتلة.
قال أحمد: — نمشي له، بس تمسكين يدي.
أومأت حلا، لكنها لم تنتظر أن ينتهي من ترتيب الحقيبة.
أعاد الدفتر إلى مكانه، ووضع القلم في جيبه، ثم لحق بها بخطوات سريعة.
كانا قد خرجا في نزهة قصيرة في الدمام، بلا برنامج مزدحم ولا موعد ينتظرهما.
أراد أحمد أن يمنح حلا وقتًا هادئًا بين الحيوانات، بعيدًا عن عجلة يومه.
أما هي، فكان يكفيها أن تجد شيئًا جديدًا تشير إليه وتسأل عنه.
عند الممر المؤدي إلى السياج، خفف أحمد سرعته حتى صار يمشي بمحاذاتها.
كان يرتدي قميصًا فاتحًا وبنطالًا داكنًا، وحملت حلا حقيبتها الصغيرة فوق فستان أصفر.
ظهرت حذاؤها الأبيض تحت طرف الفستان كلما خطت خطوة متحمسة.
لم يكن المكان صاخبًا. أصوات بعيدة تذوب في همس الأوراق وخطوات الزوار.
وقف أحمد معها على مسافة مناسبة من السياج، وظل قريبًا بما يكفي لتبقى يدها في يده.
لم يبدُ الجمل مستعجلًا. كان واقفًا، ورأسه مائل قليلًا نحو الأرض.
راقبته حلا بصمت، ثم رفعت وجهها إلى أبيها وكأن سؤالًا قد وصل قبل الكلمات.
مال أحمد نحوها ليسمعها، بينما انزلقت يده إلى جيبه حيث هاتفه.
كان الدفتر في حقيبته أيضًا؛ وفي رأسه، قائمة صغيرة من الأشياء التي أراد أن يتذكرها.
لكن حلا لم تكن تنظر إلى الدفتر أو الهاتف. كانت تحدق في الجمل.
ثم قالت بصوتها الصغير: — بابا، الجمل يحتاج مخدّة طويلة؟
فاجأه السؤال، وخرجت منه ضحكة قصيرة قبل أن يجد أي جواب.
— مخدّة طويلة؟ كررها وهو ينظر إلى الجمل، كأن السؤال يحتاج أن يراه جيدًا.
هزّت حلا رأسها وأشارت إلى رقبته. — عشان يرتاح.

بقي أحمد مبتسمًا، لكن ابتسامته صارت أبطأ. أراد أن يرد بشيء لطيف وصحيح معًا.
كانت أسهل إجابة أن يخترع لها حكاية صغيرة، أو أن يختار أول جملة تخطر له.
مد يده إلى هاتفه، ثم توقف قبل أن يخرجه.
لم يكن يمانع البحث. لكنه عرف تلك الحركة: يفتح صفحة، ثم أخرى، وينسى من جاء معه.
قال: — ما أدري يا حلا. ما عندي جواب متأكد منه.
ظلت تنظر إليه لحظة، ثم عادت بعينيها إلى الجمل.
لم تبكِ ولم تبتعد. فقط شدّت أصابعها حول يده، كأنها تنتظر شيئًا آخر.
فتح أحمد فمه ليقول إنه سيبحث لاحقًا، لكنه رأى أن هاتفه ما زال في جيبه.
من خلف السياج، حرّك الجمل رأسه قليلًا. لم يكن في الحركة جواب، ولا إشارة يفهمها أحمد.
ومع ذلك، تغيّر وجه حلا. اقتربت خطوة، ثم توقفت حين أحسّت بيد أبيها ثابتة.
قال بهدوء: — نبقى هنا ونشوفه شوي؟
أجابت: — إيه.
أخرج أحمد هاتفه، لكن ليس ليفتح صفحة. نظر إلى شاشته لحظة، ثم أعاده إلى جيبه.
بعدها وضع حقيبته على الأرض، وانحنى حتى صار وجهه بمستوى وجه حلا.
كانت الأرض دافئة تحت كفه. بقيت عيناه معها، ثم عادتا إلى الجمل.
لم تعد النزهة مسألة كم حيوانًا سيريان، أو كم معلومة سيحتفظ بها في ذاكرته.
صار لديه وقت لسؤال واحد، وللوقوف معه بدل الإسراع إلى إغلاقه.
ابتسم لحلا وقال: — إذا عرفنا، أقول لك. وإذا ما عرفنا، نقدر نسأل بعدين.
ثم أضاف: — بس الحين، وش تتخيلين؟
فكرت حلا، وعيناها لا تفارقان الجمل. رفع أحمد يده عن الحقيبة وتركها جانبًا.
قالت: — يمكن مخدّته عنده.
لم يصحح لها أحمد، ولم يحوّل تخيلها إلى معلومة. اكتفى بأن قال: — يمكن.
ثم سكتا قليلًا. مرّت نسمة على الممر، فاهتزت ورقة قريبة من كتف أحمد.
لم يتغير شيء كبير في المكان، لكن أحمد لم يعد يحاول أن يسبق اللحظة.
أخرج دفتره أخيرًا، وفتحه على صفحة بيضاء، ثم قرّبه من حلا.
— تبين ترسمين مخدّته؟
أمسكت القلم بكلتا يديها. ساعدها أحمد على تثبيت الدفتر فوق حقيبتها.
خطّت حلا خطًا طويلًا، ثم دائرة صغيرة عند طرفه، ثم خطًا آخر لم يلتقِ بالأول.
كان الرسم مترددًا مثل يدها، لكنه جعلها تبتسم. وظل أحمد قريبًا، ممسكًا بطرف الصفحة.
رفع الجمل رأسه مرة أخرى، فرفعت حلا القلم وتابعت حركته بعينيها.
لم تقل إنها فهمت شيئًا. ولم يسألها أحمد إن كانت قد انتهت من السؤال.
كانت ورقة الدفتر ترتجف قليلًا بين أصابعهما، ورائحة الرمل الدافئ ما تزال في الهواء.
قالت حلا: — نحط له مخدّة هنا؟
نظر أحمد إلى الرسم، ثم إلى ابنته. — هنا في الدفتر، إيه.
ضحكت حلا، وضحك معها. كانت ضحكتها صغيرة، لكنها بقيت معه بعد أن هدأت.
بقي الدفتر مفتوحًا بينهما، ورأس القلم يستقر فوق الصفحة دون أن يتحرك.
لم يحصل أحمد على جواب ذلك الصباح. ولم يحتج أن يتظاهر بغير ذلك.
عادا إلى الممر بعد قليل، والدفتر في يد أحمد، وحلا تمسك بإصبعه.
في طريقهما، لم تسأله حلا عن المخدّة مرة أخرى. كانت منشغلة بخطواتها الصغيرة.
أما أحمد، فكان يفكر في الصفحة البيضاء التي لم تعد بيضاء تمامًا.
لم يحمل منها معلومة مؤكدة، ولا حكاية تصلح جوابًا جاهزًا.
حمل خطًا طويلًا، ودائرة صغيرة، ويدًا ظلت قريبة من يده طوال الطريق.
وحين نظرت حلا إلى الرسم مرة أخيرة، مال أحمد نحوها ليراه معها.

لم يقل لها إن كل سؤال يحتاج جوابًا فوريًا. ولم يفتح هاتفه.
تابعا المشي ببطء، بينما بقي الجمل خلفهما، والصفحة مفتوحة على احتمال صغير.
ابتعد السياج شيئًا فشيئًا، لكن حلا ظلت تمسك بإصبع أبيها، وتخطو بحذر فوق اختلافات الأرض الصغيرة.
كانت حقيبتها ترتطم بخفة بجانبها مع كل خطوة، فيما حمل أحمد الدفتر مفتوحًا على الرسم.
التفتت حلا مرة واحدة نحو الممر الذي تركاه، ثم نظرت إلى الخطوط في الصفحة.
لم تطلب أن يعودا، ولم يطلب منها أن تشرح الرسم. اكتفى بأن يمشي معها على مهل.
وحين تحركت الورقة مع الهواء، أمسك أحمد بطرفها كي لا تنثني، وظلت حلا قريبة منه.
وفي تلك النزهة، كان ذلك كافيًا.