رحلة أحمد في نكتشف — الفصل الأول: السؤال الذي لم أجد له جوابًا
संपादकीय पाठ
كيف بدأت فكرة نكتشف من سؤال بسيط عن الزرافة؟ الفصل الأول من رحلة أحمد، قصة مستوحاة من الواقع عن المعرفة والعائلة والحلم الذي بدأ في ليلة طويلة.
مستوحاة من قصة واقعية. بعض الشخصيات والمواقف والحوارات والتسلسل الزمني أُعيد تخيلها أو دمجها لأغراض سردية.
في الليلة التي بدأت فيها نكتشف، كانت ابنة أحمد قد نسيت السؤال الذي بدأ كل شيء.
هو لم ينسه.
قبل ذلك بساعات، عند الرابعة وخمسٍ وأربعين دقيقة صباحًا، اهتز الهاتف فوق الطاولة الصغيرة بجوار السرير.
مد أحمد يده في الظلام وأوقف المنبه قبل أن يرن مرة ثانية.
بقي للحظات مستلقيًا، لا يفعل شيئًا.
كان المكيف يملأ الغرفة بصوت ثابت. زوجته نائمة إلى جواره. وفي الغرفة الأخرى من الفيلا الصغيرة تنام طفلتهما، بعيدة تمامًا عن المنبهات والدوام والأقساط والحسابات التي يعرفها الكبار أكثر مما يريدون.
فتح شاشة الهاتف ليرى الوقت.
ظهر إشعار مالي أعلى الشاشة.
قرأ بدايته فقط، ثم مرر إصبعه وأخفاه.
ليس الآن.
نهض.
وقبل أن يخرج، توقف لحظة عند باب غرفة طفلته. لم يدخل. نظر إليها من بعيد، ثم أغلق الباب بهدوء.
بعد دقائق كان في الطريق.
كانت المدينة ما تزال تستيقظ حين بدأ يومه.
طرق شبه فارغة، أضواء متباعدة، ومحال تفتح أبوابها للأشخاص الذين تبدأ حياتهم قبل الشمس.
كان أحمد مهندسًا كيميائيًا. عمله ثابت، ومسؤوليته كذلك. وفي أيام كثيرة كان يخرج قرابة الخامسة صباحًا ولا يعود من يوم العمل إلا في المساء.
لم يكن يكره العمل.
كان يكره أن يصل إلى نهاية اليوم ويكتشف أن الساعات التي تخص الأشياء التي يحبها أصبحت هي الجزء الأصغر منه.
زوجة.
طفلة.
رياضة.
نفسه.
ثم النوم، إن بقي له مكان.
مرّ اليوم طويلًا ومألوفًا.
وفي نهايته لم يتجه مباشرة إلى المنزل.
كان لديه موعد آخر لا يلغيه بسهولة.
لف الرباط حول يده، ثبته، ثم وقف أمام كيس الملاكمة.
ضربة.
ثم أخرى.
خطوة إلى الجانب.
نفس قصير.
وضربة جديدة.
كان التعب الجسدي أوضح بالنسبة إليه من التعب الذي يسكن الرأس. العضلة تؤلمك فتفهم. النفس يضيق فتبطئ. أما القلق، فيجلس في مكان ما داخلك ولا يخبرك أين تضع يدك لتوقفه.
توقف لثوانٍ.
قال له أحد الموجودين:
— بعد دوامك كله ولسه تتمرن؟
ابتسم أحمد ومسح العرق عن جبينه.
— إذا ما تمرنت، أتعب أكثر.
ضحك الرجل وهز رأسه.
عاد أحمد إلى الكيس.
لم يكن ذلك استعراضًا، ولا بطولة يومية. كانت ساعة ونصف تقريبًا تصبح فيها الأشياء أبسط: تنفس، حركة، توازن، خطوة تالية.
وعندما انتهى، كان الليل قد سبقَه إلى المنزل.
فتح الباب، فسمع صوت طفلته قبل أن يراها.
تبدل إيقاع اليوم في لحظة.
خلع حذاءه، وضع أغراضه جانبًا، وجلس على الأرض قربها. كانت زوجته تتحرك بين تفاصيل المساء المعتادة، وفي أثناء ذلك وضعت له طعامه على الطاولة من دون أن تقطع حديثه مع طفلته.
كانت أمام الصغيرة صورة زرافة.
رفعتها نحوه وأشارت إلى رقبتها.
— بابا... ليش رقبتها طويلة مرة؟
ابتسم أحمد.
قال لها إجابة بسيطة، من النوع الذي يكفي طفلًا صغيرًا في نهاية يوم طويل.
ثم توقف.
نظر إلى الصورة مرة أخرى.
— لحظة... خليني أتأكد.
أخرج هاتفه.
بحث.
فتح أول نتيجة.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
في البداية، بدا الأمر أسهل مما توقع. الإجابات كثيرة.
لكن بعد دقائق لم يعد سؤاله: ما الإجابة؟
صار: من أين جاءت؟
نصوص متشابهة.
جمل تتكرر بصيغ مختلفة.
إجابات واثقة بلا مصدر واضح.
صفحات تعطيه سطرين ثم تتركه مع السؤال نفسه، لكن بثقة أقل.
فتح صفحة أخرى.
ثم أخرى.
ثم رفع رأسه أخيرًا.
كانت طفلته في الجهة الأخرى من الغرفة، منهمكة في لعبة جديدة.
الصورة تُركت على الأرض.
بالنسبة إليها، انتهى السؤال.
أما أحمد، فكان قد بدأ للتو.
لاحظت زوجته أنه ما يزال ممسكًا بالهاتف.
— وش تسوي؟
— أدور لها معلومة.
نظرت إلى طفلتهما، ثم عادت إليه.
— واضح إنها مستنية.
رفع أحمد رأسه وضحك.
— لا... الموضوع صار شخصي.
دفعت طبقه نحوه قليلًا.
— على الأقل كل وأنت تحقق.
نظر إلى الطعام وكأنه تذكر للتو أنه موجود.
أخذ لقمة، ثم عاد إلى الشاشة.
— كل مكان يعطيك جواب. بس إذا سألت: مين قال؟ من وين جت المعلومة؟ تبدأ تلف.
قالت:
— طيب خذ اللي تحسه صح.
توقف.
— هذا اللي ما يعجبني.
— وشو؟
— إني «أحس» إنه صح.
صمتت لحظة.
كان يمكن لأي شخص آخر أن يترك الأمر عند هذا الحد. طفلته سألت، وهو أجاب، وانتهت المسألة.
لكن المشكلة لم تعد مسألة زرافة.
قالت زوجته: — يعني تبي مكان واحد يكون موثوق وخلاص؟
نظر إليها.
لم يجب مباشرة.
لأن السؤال، للمرة الأولى، بدا أكبر من المساء كله.
نامت طفلتهما.
هدأت الفيلا الصغيرة.
برد ما بقي من الطعام.
أما أحمد فبقي في الصالة.
لم يعد يبحث عن الزرافة.
صار يبحث عن المكان الذي كان يتمنى لو وجده من البداية.
موسوعات عربية.
مواقع تعليمية.
محتوى للأطفال.
صفحات للحيوانات والطبيعة.
مصادر علمية.
وجد أشياء جيدة.
وهذا ما جعل المشكلة أصعب، لا أسهل.
لم تكن المعرفة غائبة.
كانت مبعثرة.
جزء ممتاز هنا.
صورة جيدة هناك.
شرح واضح في مكان ثالث.
ثم فراغات.
ثم تكرار.
ثم معلومة لا يعرف أصلها.
ثم عشر نوافذ لكي يصل إلى شيء واحد يطمئن إليه.
نظر إلى أعلى الشاشة.
23:38
تنفس بعمق.
— خلاص.
أغلق الهاتف ووضعه على الطاولة.
مرّت ثانيتان.
ثلاث.
خمس.
مد يده وفتحه من جديد.
ظهرت زوجته عند مدخل الصالة بعد منتصف الليل بقليل.
لم تقل شيئًا في البداية.
نظرت إلى أحمد.
ثم إلى الهاتف.
ثم إلى الساعة.
— للحين صاحي؟
— أفكر.
ردت فورًا:
— هذي هي المشكلة.
ضحك بصوت خافت.
جلست على الطرف الآخر من الأريكة.
قال بعد لحظة:
— تخيلي يكون فيه مكان... إذا أحد يبي يعرف عن حيوان أو كائن، ما يقعد يدور بين عشرين مكان. يعرف المعلومة، ويعرف من وين جت، ويقدر يثق فيها.
— يعني موقع؟
هز رأسه ببطء.
— يمكن. ما أدري. مو الفكرة موقع. الفكرة... مكان أقدر يوم من الأيام أقول لها: إذا تبين تعرفين، روحي هنا.
نظر باتجاه غرفة طفلتهما.
زوجته لم تنظر إلى الغرفة هذه المرة.
كانت تنظر إليه هو.
— إذا المكان اللي تدور عليه مو موجود... يمكن تسويه.
ابتسم أحمد وكأنها قالت شيئًا أبسط بكثير مما سمعه هو.
— بهالسهولة؟
— لا.
ثم نهضت.
— بس نم أول.
— دقيقتين.
توقفت عند الممر.
— دقيقتك أعرفها.
قالتها وهي تبتسم، لكن أحمد بقي ينظر نحو الممر لثانية بعد أن اختفت.
ثم عاد إلى الشاشة.
بدأ يكتب أسماء.
ومسحها.
كتب غيرها.
ومسحها أيضًا.
بعضها كان يحصر الفكرة في الحيوانات. بعضها يشبه عنوان كتاب مدرسي. وبعضها بدا أكبر من شيء لم يولد أصلًا.
ترك الهاتف للحظة وأسند رأسه إلى الخلف.
وقعت عيناه على صورة قديمة على رف قريب: طريق، خوذة، وطرف دراجة حمراء وسوداء.
بقيت عيناه عليها ثانية واحدة فقط.
ثم عاد إلى الشاشة.
كان يبحث عن كلمة لا تصف موسوعة.
بل تصف فعلًا.
شيئًا كان يفعله منذ أن كان صغيرًا قبل أن يعرف أنه قد يصبح مشروعًا يومًا ما.
كتب:
نكتشف
بقي ينظر إلى الكلمة.
لم يكن لديه مشروع بعد.
لا خطة.
لا شركة.
لا نموذج عمل.
ولا حتى تصور واضح عمّا سيحتاجه ذلك الاسم إذا قرر أن يأخذه بجدية.
كان لديه فقط إحساس أن الكلمة أصابت شيئًا صحيحًا.
للمرة الأولى في تلك الليلة، لم يبحث عن مصدر يؤكد له ذلك.
أغلق الهاتف.
عندما دخل غرفة النوم، كانت زوجته قد نامت.
وضع الهاتف فوق الطاولة الصغيرة نفسها.
استلقى.
مرّت في رأسه الزرافة، سؤال طفلته، الصفحات المفتوحة، والجملة البسيطة التي قالتها زوجته.